ابراهيم بن عمر البقاعي

272

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما أبان هذا الحكم الأصول الثلاثة أتبعها القياس ، فسبب عما تقديره : هذا في الأمور البينة من الكتاب والسنة والتي وقع الإجماع عليها ، قوله : فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ أي لإلباسه فاختلفت فيه آراؤكم فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ أي المحيط علما وقدرة بالتضرع بين يديه بما شرعه لكم من الدعاء والعبادة ، ليفتح لكم ما أغلق منه ويهديكم إلى الحق منه وَالرَّسُولِ أي الكامل الرسالة بالبحث عن آثار رسالته من نص في ذلك بعينه أو أولى قياس ، ودلت الآية على ترتيب الأصول الأربعة على ما هو فيها وعلى إبطال ما سواها ، وعلم من إفراده تعالى وجمع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مع أعلام أمته أن الأدب توحيد اللّه حتى في مجرد ذكره ، وأكد البيان لدعوى الطاعة بقوله : إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ أي دائمين على الإيمان بتجديده في كل أوان بِاللَّهِ أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الحامل على الطاعة الحاجز عن المعصية ، ثم دل على عظمة هذا الأمر وعميم نفعه بقوله مخصصا رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ذلِكَ أي الأمر العالي الرتبة خَيْرٌ أي وغيره شر وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا * أي عاقبة أو ترجيعا وردا من ردكم إلى ما يقتضيه قويم العقل من غير ملاحظة لآثار الرسالة من الكتاب والسنة ، فإن في الأحكام ما لا يستقل العقل بإدراكه إلا بمعونة الشرع ، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : « نزلت هذه الآية أَطِيعُوا اللَّهَ في عبد اللّه بن حذافة بن قيس بن عدي إذ بعثه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في سرية » « 1 » يعني فأمرهم أن يدخلوا في النار . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 60 إلى 63 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً ( 60 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً ( 61 ) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً ( 62 ) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً ( 63 )

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 4584 في التفسير عن ابن عباس . والقصة هي : « بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سريّة فاستعمل عليها رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه فغضب فقال : أليس أمركم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أن تطيعوني ؟ قالوا : بلى . قال : فاجمعوا لي حطبا فجمعوا فقال : أوقدوا نارا فأوقدوها فقال : ادخلوها فهمّوا وجعل بعضهم يمسك بعضا ويقولون فررنا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من النار فما زالوا حتى خمدت النار فسكن غضبه فبلغ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : لو دخلوها ما خرجوا إلى يوم القيامة الطاعة في المعروف » . أخرجها البخاري 4340 و 7257 ومسلم 1840 وأبو داود 2625 النسائي 7 / 109 وابن حبان 4567 وأحمد 1 / 82 و 124 كلهم من حديث علي بن أبي طالب .